Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

لعنة الحب الأول #8

confusion-sentimentsManel Abdelwaheb Lakhdar - منال عبد الوهاب الأخضر

أنهت عملها للفترة الصباحية و حان وقت الإستراحة و الإسترخاء و لو لحين... سارعت بالمغادرة فهي تشعر بجوع شديد ليس فقط للطعام بل أيضا للهواء النقي و للمشي تحت أشعّة الشمس الذهبية... ستختبر أطعمة جديدة و سوف تقصد أماكن لم تذهب إليها من قبل...

ستملأ وقتها بممارسة أنشطة مختلفة... ستعالج الأمور بإيجابية علّها تصير يوما ما ما تريد... إلتقطت هاتفها من الحقيبة و إتّصلت بمنزل أهلها... حدّثتهم فردا فردا فإستمدّت من عبارات شوقهم إليها طاقة إيجابية تحفّزها على إستعادة توازنها الذي كادت تفقده في اليومين الأخيرين و لكنّها لم تفقده بعد...

كلمات والديها و نبرة الفخر في صوتيهما... مزاح شقيقيها... كلّ هذا يجعلها تعدّ العتاد لخوض أصعب حروبها... حربها ضدّ نفسها... توقّفت عند مطعم مكسيكي... قرّرت اليوم أن تختبر خيرات المطبخ المكسيكي فلطالما سحرتها المكسيك... لطالما أصابها الفضول للتعرّف على بلد حضارة المايا.. حتى أنّ وضعت المكسيك و بعض دول أمريكا اللاتينية على لائحة البلدان التي تودّ زيارتها... ربّما قدّر لرحلتها أن تبدأ اليوم بتناول طبق التاكو مع صلصة الصويا الحارّة... طبق غريب و مذاق أغرب... لقد قرأت في أحد المواقع الإلكترونية أنّ التاكو هوّ طبق مكسيكي شعبي متبّل بعناية و مرفوق بالكثير من أنواع الصلصة تتزاوج فيها العديد من المذاقات المتناقضة التي تصنع مجتمعة طعما رائعا يخاطب الحواس بل و يسحرها... هذا هوّ فعلا ما تحتاجه... أن تختبر كلّ ما هوّ غريب عن عالمها و أن تتجاوز روتينية عاداتها المقيتة...

تحتاج أن "تقفز"  نحو كل ما هوّ غير مألوف بالنسبة لها... ربّما ستجد في الغريب مخرجا من سيلان ماضيها و تدفّقه نحو حاضرها... هذا الحاضر الذي إعتادت أن يكون هادئا... كما خطّطت له بالضبط... إستدركت أمرها و أبت أن تفسد على نفسها متعة الطعام... رمشت عينها و إرتسمت إبتسامة عريضة على وجنتيها...  في طفولتها كانت تطيل النظر إلى والدها و هو يتناول الطعام و كانت معجبة بالطريقة الأنيقة التي يأكل بها و يدخّن بعدها سيجارته المدلّلة التي كانت تبدو بين أصابعه كما الطفلة المطمئنة في حضن أبيها....  تعلّمت من والدها أنّ تناول الطعام فن...  و أنّ كلّ ما نفعله علينا فعله بأسلوب خاص... أن نستمتع به و أن نضع فيه من أرواحنا.... تغوص في ماضيها المحبّب إلى قلبها لكنّها تتوقّف عند ذكريات عليها أن تطمرها في مقبرة النسيان ... أنهت طبقها و طلبت من النادل أن يحضر لها الفاتورة...  سوف تغادر نحو وجهة غير معلومة... وجهة سترجو من خلالها الهدوء و السكينة... فقط لا غير...

في العادة... تهوى البقاء أمام البحر لساعات... تتأمل زبد أمواجه المتطاير هنا و هناك... فهي تشعر برؤيتها لهذا المشهد أنّ الطبيعة تعبّر عن سخطها... عن مكنونها الذي لا ذلّ فيه... لكنّها ستهجر كلّ عاداتها و أهمّها تلك المتعلّقة بعدم نسيانه... لن تذهب إلى البحر لأنّه يذكّرها بأدقّ تفاصيله... ستطلق سراح الفتاة المجنونة التي تقبع سجينة في ثنايا عقلها... ستجعل هذا اليوم إستثنائيا، مجنونا ففي الجنون سعادة... إستوقف نظرها عازف ڨيتار يلتفّ حوله الكثير من الناس يستمعون إلى موسيقاه... إقتربت من الحشد و إتّخذت لنفسها مكانا داخله... راقت لها النغمات فأخذت تحرّك قدميها يمنة و يسرة إحتفاء بالإيقاع... خطرت ببالها إحدى عبارات أختها الشقيّة... إذ كلّما هاجمها اليأس و فقدت ثقتها بنفسها قالت لها أختها الرائعة "فكِ شعرك و إرقصي..." باغتتها ضحكة صغيرة صغر حجم هذا العالم رغم إتساعه بعيدا عن عائلتها... لماذا لا ترقص؟ أجل... لماذا لا ترقص؟  لماذا لا تجرّب مخاطبة العالم عبر لغة الجسد؟  لطالما قرأت عن الرقص و رمزيته... الرقص التعبيري الذي يخلّص الروح من آلامها و يحرّر الجسد من آثامه في الثقافة الهندية...

إلتفّت حول نفسها في حركة طفولية و كأنّها ظفرت للتو بجائزة قيّمة... إلتفّت دون أن تستطيع العود عن إلتفافها... عليها الآن أن تؤجل أفكارها الغريبة غرابة أطوارها و تتناسى الولادة الحديثة لرغبتها الملحّة في تعلّم الرقص الهندي... آخر ما توقّعته أن تراه في هذا اليوم... هذا اليوم الذي خالت أنّها بدأت تخطو فيه أولى خطواتها نحو إسترداد أنفاسها من ماراطون الزمن الذي داهم حياتها خلال الثمان و أربعين ساعة الماضية...  هاهو ذا يقف أمامها بكلّ وقاره و جبروته... يرمقها بتلك النظرة الحادّة... تبّا له و لها و للقدر الذي يقف في صفّه و يعينه في قصاصه منها... إقترب منها بخطوات واثقة و مدّ يده يصافحها و كأنّ شيئا لم يكن!... يا لها من مفارقة... يبثّ سمّه في وجهها قبل يومين و يعود الآن ليتعامل معها بهذا الأسلوب الذكي اللبق المقنّع مستعينا بما يملكه من كاريزما قاتلة لطالما كانت سلاحه ضدّها... صافحته... أجل فعلت ذلك حتى لا تبدو إمرأة مهتزّة الحضور تعاني شخصية هشّة.... لن يعرف حتى في أحلامه ما خلّفه لقاؤهما من ألم في نفسها... لن يعرف أبدا... زيّنت ثغرها بإبتسامة ترجو أن تكون ساحرة و ألقت عليه التحية " مرحبا تيم... كيف حالك ؟"  ستحطّم كلّ إنتظاراته بأن يراها محطّمة... لن تمكّنه من هزيمتها مجدّدا مهما كلّفها الأمر من تعسّف على روحها المهشّمة... ترك يدها بأصابع مرتعشة و كأنه في طريقة ليلقى حتفه... لكنه مجبر على ذلك فلن يسمح لها بأن تطيح بقلبه و أن تنزل كبرياءه من عليائه مرّة أخرى.... لن يسمح بذلك أبدا.....



يتبع...

منال عبد الوهاب الأخضر

 لعنة الحب الأول #8