Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

ركين #18

roman-novel-love-amourManel Abdelwaheb Lakhdar - منال عبد الوهاب الأخضر


وجدت نفسها غير قادرة رفض مرافقته لها... و كأنّها كانت تنتظر منه هذا الموقف... ربّما هي في حاجة إلى المساندة في واحدة من أحلك لحظات حياتها... و ربّما هذا هوّ ماتريد في أعماق عقلها الباطن... أن يكون" آسر " إلى جانبها... تركت سائقها يأخذ سيارتها و يلحق بها و إمتطت سيارته...

مضت عشرون دقيقة على إنطلاقهما في الطريق من العاصمة نحو قرية "كفّ الصبي"... كانت تتأمّل هدوءه،رصانته و رقيّ روحه... فهوّ لم يضغط عليها... لم يمطرها بالأسئلة و لم يحاول حتذى أن يستفسر عن حقيقة ما يحدث و الأسباب الكامنة وراءه...

إكتفى بأن يكون إلى جانبها و هيّ التي لم تعتد من الرجال الذين مرّوا في حياتها، بدءا من خالها المرحوم وصولا إلى طليقها البغيض، أن يفعلوا ما يفعله معها "آسر" الآن... فهوّ لم يكترث لعدم معرفته الجيّدة بها ووضع نفسه طوعا لمساعدتها رغم أنّه يلتقيها للمرّة الثانية فقط... و كأنّ قلبها يرقص فرحا رغم ما يعتريه من خوف ممّا يحدث في القرية... و كأنّها سعيدة لأنّه برفقتها... قاطعها صوته القادم من عمق الحياة...

الحياة التي تتمنّى أن تعيشها... قاطعها قائلا " هل تودّين أن نكسر الصمت بفتح الراديو ربّما يخفّف صوته موجة التوتّر التي تعانينها ؟"... أشارت برأسها إيجابا فإنبعث صوت الراديو و إنبعثت معه نغمات ماجدة الرومي و هيّ تشدو " من أنت ؟ من أنت وسحر في عينيك يزفّ العمر بأغنية و كأنّك من قمر تأتي من نجمة صبح ذهبية..."... إبتسمت و نسيت لبرهة هجوم رجال القرية و شبابها على مشروع المدرسة الثانوية خاصّتها... إبتسمت لأنّ كلمات الأغنية كانت تصف هذا الرجل الذي وضعه القدر في طريقها... ربّما لكي تستعيد ثقتها في الحياة و خاصّة في جنس الرجال... كان يسترق ، بدوره ، النظر إليها و كان شعرها البنّي المموّج القصير يشتّت إنتباهه... فمذ رآها تغادر المعرض العالمي للخزف في مكسيكو و هوّ يشعر أنّ وراء هذا الشعر القصير قصّة... مرّت ساعتان من الطريق و كانا قد قطعا نصف المسافة و كانت "ركين" قد إستسلمت للنوم...

إستسلمت للنوم كي تهرب من خوفها من مواجهة رجال القرية و كذلك من فوضى المشاعر التي تعتريها و هي برفقته...توقّف كي يقتني لنفسه فنجانا من القهوة حتى لا يستسلم بدوره إلى النوم... نظر إلى ساعته فوجدها تشير إلى العاشرة ليلا و قد تبقّى من الزمن ساعتان حتى يصلا قرية "كفّ الصبي"... تلك القرية التي مضت مدّة طويلة منذ آخر مرّة وطأت فيها قدمه أرضها... تلك القرية التي لا يحمل عنها سوى الذكريات السيّئة ... ذكريات طفولة حرم منها مبكّرا... ذكريات يحرّكها شبح رجل متسلّط، قبيح الخلق و الأخلاق، سرق منه، يوما ما ... ذات سنة... فرحة العيد التي يعيشها كلّ الأطفال... فقد إستغلّ ما عليه حال والده من فقر و أخرجه من أرضه  و طرده من بيته فكانت النتيجة أزمة قلبية أودت بحياة رجل كانت أبسط أحلامه أن يزرع أرضه و يحصدها و يشتري ملابس جديدة، ميدعة و محفظة من أجل إبنه الذي كان يستعدّ كي يستهلّ سنوات دراسته الإبتدائيّة...  لا يمكن أن تمحى من ذاكرته أحداث ذلك اليوم... فكيف له أن ينسى صورة أمّه و هيّ تبكي زوجها و كيف له أن يصمّ أذنيه عن صراخ جدّته المكلومة الذي هزّ أرجاء القرية ؟ ...

حتّى و إن أراد ، أن يمحو من ذهنه إسم الرجل الذي حرم بسببه من أن يعيش حياة طبيعية و حتى من أن يزور قبر والده... الرجل الذي كان السبب في رحيله عن القرية بمعيّة أمّه و جدّته.... لم و لن ينسى إسم "رجب "... كان يفكّر في الطريقة التي سيتعامل بها معه إذا ما صادفه خلال مرافقته "ركين"...كان يتساءل إذا ماكان ذاك المسخ سيتعرّف إليه بعد مضي كلّ هذه السنوات أم لا...كان يغوص في ماضيه الأليم و ذكرياته السوداء عن "رجب" و قرية "كفّ الصبي " دون أن يدرك أنّ الألم ذاته يجمع بينه و بين إمرأة التوليب خاصّته... لم يكن يدرك أنّ نفس الرجل الذي آذاه آذاها... لم يكن يعلم أن من سرق منه طفولته و سعادته هوّ ذاته من سرق منها طفولتها و سعادتها...


يتبع

منال عبد الوهاب الأخضر

ركين #18