الفايسبوكي

Facebook addict

Hajer Chabane -  هاجر شعبان

 

منذ أن تعلم مراد الجلوس و هو يقضي كامل يومه أمام شاشة الحاسوب يلعب الألعاب الإستراتيجية و ما إن يملها يغيرها بالعاب الألغاز أو الألعاب البوليسية فينهيها قبل زملائه في اللعب التي تسميهم شقيقته “الأصدقاء الإفتراضيون” لكنه يصر على أنهم أناس حقيقيون ربطته بهم علاقة وطيدة.

 

و حين يحين يقترب وقت الإمتحانات فإن جل ما يسمع في بيت مراد هو صراخ أمه المتعالي ومحاضرة والده حول أهمية الدراسة و مستقبله، لكن جل ما يشغل بال المراهق هو صديقته الجديدة على “الفايسبوك” و مدى جمالها…

 

 

و كما هي العادة يذهب مراد إلى مدرسته و هو شبه نائم قيقترب منه زميله أو “عدوه اللدود” كما يسميه هو فيقول له ” ما أحلاها الفوتو الي بعثتها لسحر البارح، اما ما فيباليش بيك عندك موتو؟ انجم نجي لدارك نشوفها ؟” فيسمع مراد قهقهات زملائه الساخرة لكنه لا يأبه إليها و يتظاهر بالنوم كالعادة….

 

كثيرا ما يحس مراد بالضيق من سخرية زملائه لكنه و في فترة الغداء يذهب إلى متنفسه الوحيد و هو دار الاعلامية حيث يعمل صديقه المقرب فيشتكي له ما في صدره فيجيبه هذا الأخير: ” حتى إنتي يا صاحبي كثرتلها هالنهارين، تبعث في تصاور مركبة لبنات الناس ، هكا ولا هكا بالش يعرفو الحقيقة و الي تصاورك فوتوشوب” فيجيب مراد :” انا نحبها سحر..” فيجيب صديقه علي مغتاضا : ” قيلك من حكايات الحب متاعك و انتي كل وين تاجوتي طفلة في الفايسبوك تقوللي هذه هي المرا اللي باش ناخوها قلي باش بش تاخوها؟ بالباك الي تعاود فيها عامين و الا الفلوس الي ماشيا فياللوجيسيال و اللعب؟ ” قد يبدو أن مراد لا يأبه لكلام صديقه لكنه يعرف أن جميع الإنتقادات الموجهة إليه صحيحة وان عليه تغيير نمط حياته و ان يخرج إلى العالم الحقيقي و أن يتعرف على أصدقاء جدد، لكن العالم الإفتراضي هو العالم الوحيد الذي يعرفه فهو معروف في الفايسبوك باسم “تروك” و ذلك لان في جعبته من ألوان الكذب كثير فالجميع قد صدق سفراته إلى الولايات المتحدة و سويسرا و سهراته الأسبوعية مع كبار الفنانين فكيف له أن يخبر أصدقاءه على التويتر أنه لا يملك حتى هاتفا نقالا أو أن مساحة غرفته لا تجاوز 8م م…

 

يشعر علي صديقه بضيق صديقه فيحاول أن يبهجه كالعادة بأخر ما صدر من الألعاب الجديدة :” اللعبة هاذي باش تعجبك” فيجيب مراد بامتغاظ :” تي ماهي كيما لعبة “لي سيمز” تعمل شخصيتك و تبني حياتك، قديمة نعرفوها” فيجيب علي بكل حماسة:” لا، الفرق مبين اللعبة هذا و السيمز، الي اللعبة هذي تعطيها صوتك واتنجم تتكلم معاها”

 

و اخيرا تثير هذه اللعبة اهتمام مراد فيعود إلى المنزل مسرعا ليبدأ ، فتراه شقيقته فتقول له بلهجة متهكمة ” الي يجري يجري على مستقبلو” و حينها تلحظ الام وجود ابنها في المنزل فتدخل إلى غرفته الوسخة و تراه كالعادة يتكلم مع حاسوبه فتقول محاولة ارجاع تنهيدتها و أسفها : ” الليلة عرس بنت خالتك باش نخرجو مع السبعة حضر روحك” فيجيب مراد و هو منغمس في صنع شخصيته الإفتراضية :” امشيو انتوما أنا عندي ما نعمل”…

 

و بعد ساعات من التعديل و الإضافات و تسجيل الصوت ينهي مراد أخيرا نسخته الإفتراضية  فتصبح شخصيته على كل الصفحات الإجتماعية حتى أنه صدقه،ا فأصبحت هويته الجديدة، كيف لا و قد أصبح صديقه الجديد يعرفه على كثير من الفتيات و الفتيان المحبوبين في المدرسة .

 

أصبح مراد يعيش حياته الجديدة الإفتراضية  بحذافيرها فيستمتع بها حتى بدأ يحبها أكثر مما يحب نفسه… فيتمنى لو انه يصبح مثلها، لكن عائلته القلقة لم تعد تتحمل حياة الوحدة التي يعيشها إبنهم خاصة و انه على  وشك الدخول إلى الجامعة فقرروا – أثناء وجوده في المدرسة- رمي حاسوبه في سلة المهملات.

 

كالعادة عاد مراد إلى المنزل ليتحدث مع أصدقائه من ألمانيا لكنه صدم عندما وجد حاسوبه مرميا. أحس الفتى بانهيار عالمه و بطول ليلته التي أمضاها – رغم إستجداء والدته- أمام سلة المهملات محاولا إعادة تركيب رفيق عمره و البحث بين الخردة عن نفسه التي ضاعت بين عينيه قلم يجد بدا الا البكاء على الحياة التي بناها في عالم إفتراضي ، لكن أباه الغاضب هدمها بدون أن يترك له مجالا لاسترجاعها. و بعد ساعات من البكاء الصامت تعب مراد فقرر العودة إلى “ملجئه” الوحيد و النوم باكرا كما لم يفعل من قبل ، فغطى نفسه ببطانيته الوسخة ببقايا الطعام و نام قرير العين…

 

استيقظ مراد و شخص ما يهز كتفه و يطلب له النهوض فأجاب بحدة : “منال خليني نرقد اليوم أحد ما نيش باش نمشي نقضي مهاك…” لكن صوتا ذكوريا ساخرا يجيبه : “قوم صحوبة قوم سحر تستنى” لم يصدق مراد نبرة الصوت التي سمعها فهي شبيهة بصوته فظن أنه نائم لكن شابا يشببه سحب له غطاءه فنظر إليه باستفزاز و قال “البنات مايحبوش الرجال التي يخليوهم يستناو هيا قوم يا صاحبي نهارنا ما زال طويل”

فصاح مراد في ذهول :” انت تروك اش تعمل لنة؟” فيجيب ‘تروك’: ” موش انتي الى عيطتلي البارح و انتي تبكي كالبنية؟”

و بالرغم من قدرته على لمسه لم يصدق مراد وقوف شخصية “تروك” أمامه فأجابه باندهاش :”كيفاش خرجت من الاوديناتور؟”

فيجيب ‘تروك’ :” تحب تقابل سحر و الا لا؟”

-                                                                                                                                        “أي بالطبيعة نحب نشوفها، اما علاش هي باش تقابلني؟

فيجيب ‘تروك’ بغرور: ” خليها علي هيا قوم فيسع”

شنو باش نقول لامي كي تراك؟

 

فيضحك ‘تروك’ و يدفع مراد خارج الغرفة باتجاه والدته و أمره فضمها و تقبيلها بقوة و أن يقول لها:” صباح الخير يا أحسن أم في العالم” و بقي أن ينتظر رد فعل أمه على وجود شبيه لابنها في المنزل معهم و لكنها عوضا عن ذلك بقيت ترمقه بنظرات غريبة فقد ظنت أنه يحاول أن يستجدي عطفها كي تشتري له حاسوبا جديدا فلم تقتنع بتمثيليته :” أسمعني كلمة وحدة حكايت الأورديناتور أنساها ، نحب نراك تعيش مرة وحدة كيف أندادك” يبتسم لها مراد و يرى الدموع تنهمر من عينيها و هي تقول :” عيش ولدي أعمل عقلك”

و هنا يضحك تروك و يبدء بغناء أغنية بلطي الشهير و يرقص على أنغامها و مراد يحاول جاهدا تقليده فتضحك الأم لأول مرة مع ابنها و تراهما منال معا فتقول :” شنو صار، أمي رجعت لخويا عقلو؟”

 

فيجيبها مراد كما طلب من تروك:” انا عقلي في ليه برشا أما عقول الناس المسكرة هي اللي ما تفهمنيش”

لم تصدق الأم و الابنة التغير الجذري الذي حصل فتقول الأم سعيدة :”كان ندري راني خبيتلوا الأورديناتور من هكا العام”

 

كان مراد قلقا من الحديث الذي دار في المطبخ و ما إن دخل مع تروك الغرفة حتى سحبه من ملابسه:” ياخي شبيك هبلت؟ تو يفيقو بينا؟ و اينا ما يساعدنيش نبقى نهار كامل تنبع فيك تو يقولو هذا مهبول يحكي معا روحو”

 

” ما تخافش هيا أخرج خلينا نحضرو رواحنا”

مراد باضطراب:” فين ماشين؟”

 

يتجه الشابان إلى المحلات التجارية و يقلبانها رأسا على عقب حتى بدؤوا يتعرضون للتوبيخ من البائعين فأصبح مراد نسخة طبق الأصل عن تروك حتى ظن الحلاق أنه أخوه التوأم و ليس مراد لولا معرفته الوطيدة بالعائلة.

 

تروك: هيا حاضر باش تقابل سحر؟

مراد بخجل : زعما تعقلني ، مي أنا لا عندي لا بورتابل لا فروس باش نهزها للقهوة؟

يضحك تروك : قهوة لا يا صاحبي نحنا ماشين للمطعم

مراد مصدوم : و شكون باش يخلص الأديسيون؟

تروك: خليها عليا غير انتي تبعني

 

لشدة فرحته لم يفكر مراد كثيرا في أمر المال فذهب مع تروك إلى مطعم فاخر لم يكن يجرؤ في السابق على دخوله و رأى أصدقاءه في الفايسبوك فصاح الجميع : عيد ميلاد سعيد يا تروك ..

التفت مراد إلى تروك فلم يجده وراءه و ظن أن أمره انتهى لأنه لم يعرف ماذا يقول فاكتفى بابتسامة بريئة و تلقى التهاني من أعضاء صفحته على الفايسبوك و مضى في تمثيليته بالرغم من شعوره بالاختناق، فلاحظ الجميع اضطرابه فقال أحدهم: ما هذا التواضع ، تحتفل بعيد ميلادك بيننا؟” فيجيبه شخص اخر: ” و ين السهرية الليلة؟”

فيجيب شخص آخر:” أكيد في مالطا و إلا اسبانيا”

 

Double personality

فيضحك الجميع ما عدا مراد الذي لم يعد يتحمل الضغط المسلط عليه فيعتذر و يهرع إلى الحمام و هنالك يجد تروك بانتظاره فيقول له:” ياخي شبيك موش هذي الحفلة اللي حببيت تعملها حياك كاملة؟”

مراد: “أي اما ما انجمش انكمل نكذب على الناس “

تروك : انتي حياتك كاملة تكذب عليهم و ما نجمتش روحك ها العشوية؟”

مراد: “أخطاني بربي…”  يمسك تروك مراد من قميصه و يجره إلى طاولة الإحتفال و  يواصل تقديم إرشاداته

 

صدق الجميع كالعادة قصصه الملفقة و واصلوا احتفالهم حتى حلول الليل و مراد يطبق إرشادات تروك و يحاول في بعض الأحيان ابتكار بعض العبارات و في النهاية نجح و بدا بإثارة اهتمام سحر…

 

مراد و هو سعيد :”هاذي أحسن حفلة في حياتي”

فيضحك تروك :” تقصد هذي أول حفلة “

مراد:” عندك الحق و غدوة باش نستدعي كان سحر”

تروك :” خليها عليا”

 

يدخل الشاب المنزل و الفرح يعلو وجهه فيراه الأب فيقول:” ياخي دبرت خدمة تريقل بيها حالتك؟”

فيجيبه مراد مبتسما :” لا يا بابا خير خير” تقول الأم :” خليه رجعلو شاهد العقل، ربي يسترك يا وليدي”

 

يمضي تروك تلك الليلة في تعليم مراد أساليب الحديث اللبق و طرق التعامل مع الفتيات،  فيسمعه أهله من وراء الباب فيظنوا أنه جن وقد عاد إلى عاداته القديمة و التحدث مع نفسه لكنهم أحسوا ببعض الراحة عندما أصبح الولد يخرج من المنزل أو يذهب للقاء صديقته الجديدة.

 

أصبح مراد يعيش حياته بكل ما أوتي من طاقة طالما أن تروك بقربه ،حتى أن أهله صدقوا كذبه ما عدى شقيقته “منال” فبدأت تتبع تحركاته و تحاول أن تعرف أصدقاءه الجدد و حين أخبرتهم باخباره و قاموا باستدعاء صديق طفولته علي بدأت العائلة تشك في حالة إبنهم و حين بدأ يرتاد نفس الجامعة التي تدرس فيها شقيقته أصبحت مهمة التحري أسهل لوالده، فشقيقته تحضر لهم  كل أخباره إلا أنهم لم لم يجدوا بدا من إرسال شقيقته للتحدث مع صديقته سحر:

 

_ أنا أخت مراد

سحر باندهاش : “إنت أختوا؟” و تقلبها يمنة و يسرة

_ شبيك إستغربت؟

_ سامحني مي هو قالي إلي أختو تسكن في لندرة

تضحك منال: ” و شنوا قالك اخر؟

سحر :” برشا حاجات”

منال: ” حتى إنا قلت فما حاجة غريبة صايرة”

 

يلحظ مراد أن منال و سحر تتحدثان فيستشيط غضبا من تروك

_ :” الكلو منك”

_ “خليني نذكرك إلي أنا من صنع إيديك إنت اللي كذبت كذبة و صدقتها و عشتها ما تلوم كان روحك

 

فيذهب الشاب مسرعا لإيقاف الحديث الذي بدأ يحتد

مراد يخاطب سحر:” سحر خليني نفسرلك”

سحر بغضب :” شنو باش تفسرلي؟ تي إنت ما قتليش حاجة وحدة صحيحة”

 

يسحب مراد سحر من يدها و يحكي لها ما جرى معه من البداية و كيف أنه أعجب بها فلم يجد طريقة ليتحدث معها سوى بالكذب،

سحر:” معناها سي تروك هذا بجنبي توا؟؟؟”

يلتفت مراد :” لا مشا و خلاني وحدي”

سحر :” إنتي مريض ” تذهب و تتركه وحيدا ، فتأتي شقيقته لمواساته وحين يعودان إلى المنزل تفكر العائلة بعرضه على طبيب نفسي.

 

في تلك الليلة بينما كان مراد نائما،

الأم: “شنوا قالك الطبيب؟”

الأب :” نوع من أنواع الإنفصام في الشخصية” يتنهد

الأم و هي قلقة :” ترى باش يرجع لاباس ولا باش يبقى مريض؟”

الأب :” حالتو نجمو نداووها ، غدوة باش نقيدو في قاعة رياضة باش يختار الرياضة الي يحبها و ربي يستر”

 

بعد بضعة أسابيع

 

علي صديق مراد :” تي فين كنت يا صاحبي؟ ما ناش قد المقام و لا شنو؟ “

مراد بكل هدوء:” يزي من هالكلام و هات الرسمي”

علي :”أقعد الساعة و اشرب عرقك” يقدم له كرسيا ” البارح قابلت بوك بالزهر في الحومة سألتو عليك قالي راك تلوج على خدمة”

مراد :” إيه و انتي وليت صاحب مشاريع يا خويا؟”

علي يضحك: ” الحمد لله ربي فتحها علي قلت ما نود كان صاحبي، انا دبرت سوايع في مدرستنا باش نقري الإعلامية للصغار و ما عنديش شكون يشد بالصتي كي نبدا نخدم قلت نكلمك انتي”

مراد و هو يفكر: ” و الله ماني عارف”

علي:” تي سيب عليك ما التخمام ، فلوسك مضمونة و انتي وليدها غدوة تبدى الخدمة”

مراد :” انشاء الله ما نخليهاش بيك

هاجر شعبان

 


الفايسبوكي